“لماذا فقد الأدب والأديب هيبة أزمان العزّ؟!”

أكتوبر 6th, 2009 كتبها محمد الحنفي نشر في , القضية الثقافية

 

"لماذا فقد الأدب والأديب هيبة أزمان العزّ؟!"
 
بقلم: زينب.ع.م.البحراني.
 
 
الكتابة هي أمّ الغالبيّة العظمى من الفنون على الحديثة، لأنّ كلّ فنّ يعتمد على الكلمة المسموعة أو المرئيّة لابدّ وأن ينطلق منها وبعدها. ولطالما كان للكاتب والمؤلّف مكانتهما الرّفيعة التي تشبه التبجيل منذ قديم العصور. وفي هذا يقول الكاتب والسيناريست المصريّ السّاخر (يوسف معاطي) في كتابه (الفنّ وأهله) متحدّثًا عن أحوال الكتّاب والكتابة في مصر القديمة تحت حكم الفراعنة : " وبدأنا نتحسس في ظلمات التّاريخ بشعاع من الضوء، وبدأ الكاتب في مصر يصبح له شأن عظيم.. وصارت مهنته الأولى بين جميع المهن.. وهي المربحة أكثر من أيّ مهنة أخرى، وكان الكاتب في مصر القديمة يكسب أضعاف ما تكسبه أكبر راقصة في مصر المعاصرة الآن، في لوح واحد يكتبه ولا في لفّة بردي.. وكان الأب يشجّع ابنه: (كُن كاتبًا كي تنعم أعضاؤك وتصير يداك ليّنة وتسير في ثياب بيضاء فيعجب بك النّاس ويحييك رجال البلاط) .. وكان الأمراء والكبراء في مصر القديمة يقلّدون الكاتب في جلسة القرفصاء الشهيرة في تماثيلهم.. شوفوا التماحيك!.. حيث كانت هذه الجلسة المتربّعة من دلائل الشّرف. بل إنّ بعض ملوك الفراعنة ظهر بعضهم في صورة وهو يحمل أدوات الكتابة.. الدّواة والرّيشة.. اعترافًا منهم بأهميّة الثقافة والمثقّفين " ..
 
وبقي المؤلّف يحظى باحترام يليق بموهبته لبضع عشرات من أعوام القرن العشرين، حين كانت الطّبقة التي تمسك بزمام السيادة في المجتمع تمتاز بشخصيّة معجونة بروح الفنّ والاهتمام بالثّقافة. قبل أن تفاجئنا طفرة التّفاهة بجيل لا يقدّر قيمة القراءة ولا يعبأ بالثّقافة، وظروف تكاد تحوّل الكاتب الموهوب إلى مخلوق فائض عن حاجة مجتمعات الوطن العربي. وبعد أن كانت دور النّشر العربيّة تدفع له حقوق نشر أعماله قبل نشرها، ويتعامل معه القائمين عليها بتقدير واحترام يؤكّد إيمانهم بندر

المزيد


الكوميديا الصفراء

سبتمبر 19th, 2009 كتبها محمد الحنفي نشر في , القضية الثقافية

 

الكوميديا الصفراء
 
حيدر وسم

hhdr77@yahoo.com
 
الكوميديا الصفراء هي نوع من الكوميديا تتناول القضايا بطريقة ساخرة مقيتة ميزتها الطعن والتشهير والحقد والغيرة والغموض والسطحية والسذاجة والتنكيل وبدائية المخاطبة وإلقاء التهم وتغريب المفاهيم والقيم وإثارة الفضائح والصراع على السلطة وإنعدام الثقافة والدعوة إلى اليأس والتشاؤم والإنحطاط الأخلاقي وندب الحظ من خلال إلقاء الطرفة والتوريات الشعبية المنحطة وتكون مباشرة تارة وغير مباشرة خاصة فيما يتعلق بالسياسة تارة أخرى .

وتظهر الكوميديا الصفراء كرد فعل على فقد سلطة أو مكانة إجتماعية , فهي بكاء على ماضٍ أليم لمجتمع أو شعب ولربما شعوب عانت من أنظمة جشعة أو عصابات أو أحزاب تتباكى على مثل هذه الكوميديا والتي تنتج العنف وتسفيه قضايا المجتمع ونبذ القيم والفرقة والإقتتال الداخلي وتأليب الأخرين والانكفاء الديموقراطي على المستفيد الحالي من المكتسبات الجديدة بين مكونات المجتمع الواحد أو الشعب الواحد , وتتجاوز ذلك لتعبر الحدود وتصل نتانة رائحتها إلى الخارج , أمـا من الناحية المالية فتجد الإغداق عليها بشيكات مفتوحة من مستفيد خارجي يخدم مصالحه الشخصية , أما فنياً فهي تستخدم الرقص المبتذل وأغاني العري والتدني الفني والألفاظ ال

المزيد


درويش..انك نصف العرب وأكثر..!

أغسطس 12th, 2009 كتبها محمد الحنفي نشر في , القضية الثقافية

 

درويش..انك نصف العرب وأكثر..!
 
بقلم : د. صلاح عودة الله
 
"رجل نُجمع على تبجيله..وصاحب صيت هو الأكبر في ثقافتنا اليوم"..الناقد السعودي عبد الله الغذامى.
 في مثل هذه الأيام من العام المنصرم رحل شاعر ومناضل ورمز قلما تنجب الأرحام مثله, رحل محمود درويش..تمر علينا الذكرى السنوية الأولى لرحيل شاعر القضية الفلسطينية ومقاومتها والألم لا يزال يعتصر قلوبنا على من ترك الشعر وحيدا يتيما..من الصعب أن نكتب في هذا الانسان, الرمز, العاشق, المناضل, المتؤلم..فكيف تكون الكتابة في غياب صاحبها, فهو رمز من رموز النضال الفلسطيني, وعلم من أعلام الثقافة والأدب العربي, وصوت شاعرصادق وأمين, خاطب ضمائر العالم الحية بقلب مثقل بأحزان فلسطين وشعبها, وأوصل دمعة القدس الجريح الى كل فضاء ومنبر حر في كافة بقاع الأرض.
رحل محمود وقلبه مليء بهموم القضية, فهو اللاجىء من"البروة" الى "الجديدة", انه اللاجىء في وطنه وما أصعبه من لجوء..رحل محمود بعد أن أصبح كغيره من الملايين من أبناء شعبه, أصبح لاجئا في بلاد العرب والغرب..توقف قلبه عن الخفقان, فلم يعد بمقدوره تحمل عبء القضية, انه قلب لا يرحم, فبتوقفه هذا رحل جزء هام ورئيس من أجزاء القضية..هذا ما لم يرده محمود وان كان يتوقع حدوثه كل لحظة..أحمل في صدري"قنبلة موقوتة" كما كان يقول, وهذا ما لم نرده نحن والقدس, كيف لا وقد كان ابنها المدلل, ابنها الذي حمل أسمها وهمومها أينما رحل وحل, ولم يكن متعبا بها, فدفن بالقرب منها وعلى تلة تطل عليها, ومنها يصبو اليها محمود ويداعبها وتداعبه.
شوكة في حلق العدو ورمد في عيونه كنت..اعتقلك وعذبك ولكن الصمود عنوان نضالك كان ولم يجد اليأس الى نفسك سبيلا..غادرت الى موسكو ومن هناك الى القاهرة وبيروت وتونس لتأخذ مكانك الطبيعي..مكانك الثوري النضالي, وكتبت ثم كتبت وتوجت الكتابة بالحنين الى خبز أمك وقهوة أمك..قمت برثاء الكثيرين حتى نفسك ولكنك لم تتمكن من رثاء أمك يا محمود.."حورية", فكانت من بين من ودعوك, كهلة تجاوزت التسعة عقود, وما هي الا أشهر قلائل حتى رحلت هي أيضا, رحلت والمرارة تعتصرها, فرحيلك أدمى قلبها كما أدمى قلوب الملايين.
إنه محمود درويش، ولا أحد اليوم غير محمود درويش, لأنه وحده وطن كامل وضمير أمة بأسرها..انه أسطورة هددت أشعاره الكيان الصهيوني.."أيها المارون بين الكلمات العابرة"..كلمات هزت برلمان هذا الكيان, وأصبحت شغله الشاغل لأنه فعلا كيان عابر ومصطنع كتاريخه..أيها الدرويش, حتى من كلماتك اهتزت الأرض من تحت أقدامهم ولا تزال تهتز, فها هو أحمد الطيبي يخاطبهم وصارخا في وجوههم ومن على منصة برلمانهم بعد أن حاولوا تمرير اقتراح عنصري يهدف الى شطب الأسماء العربية للمدن والقرى الفلسطينية وكذلك من على جميع اللافتات واستبدالها بأسماء عبرية:احملوا أسماءكم وانصرفوا..واسحبوا ساعاتكم من وقتنا، وانصرفوا..وخذوا ما شئتم من زرقة البحر ورمل الذاكرة..وخذوا ما شئتم من صور، كي تعرفوا..انكم لن تعرفوا, كيف يبني حجر من أرضنا سقف السماء؟..أيها المارون بين الكلمات العبرة..ولهذا لك أن تنام قرير العين يادرويش, فروحك اعلنت الثورة على الطغيان ورفاقك لم ولن ينسوا ماقدمت، كانت كلماتك حجرا فجر ثورة آلمتهم في حياتك و غدا سلاحا فتاكا أدخله رفاقك الى بيتهم في مماتك, فكأنك معنا يا محمود.
لقد سقط الحصان عن القصيدة لكي يرحل إلى البيت عبر السفح كما شاء: إما الصعود وإما الصعود..والآن يا أخانا بعد أن لم تعد بشرا مثلنا، لأنك مت شاعرا أسطوريا لتعيش مع من هم مثلك, مع الأساطير.. لقد دخلت التاريخ، وصرت اليوم ما أردت, فقد صرت فكرة وكرمة وطائرا فينيقيا وشاعرا جسده تحت الثرى، واسمه فوق الثريا..لقد صرت تماما كل ما تريد, لقد صرت فكرة," سأصبح يوماً فكرة..لا سيف يحملها إلى الأرض اليباب ولا كتاب..كأنها مطر على جبل تصدع من تفتح عشبه..لا القوة انتصرت..ولا العدل الشريد..سأصير يوماً ما أريد..أنا من تقول له الحروف الغامضات, اكتب تكن, واقرأ تجد".
لقد كانت قصائد درويش وستبقى وطناً وهوية، لذا أحبه الشعر ومنحه أسرار خلوده، لكنه ظل يبحث عن الموت في جداريته"الوصية" بلا موت، ويهزم الموت باستعلاء قائلاً:"هزمتك يا موت الفنون جميعها..هزمتك يا موت الأغاني في بلاد الرافدين..مسلة المصري، مقبرة الفراعنة..النقوش على حجارة معبد هزمتك انتصرت, وأفلت من كمائن الخلود..فاصنع بنا, واصنع بنفسك ما تريد".
لقد انتظرت الموت يا محمود "بذوق الأمير الرفيع البديع", وأبنت نفسك بأفضل مما قد يفعل أي منا، فكانت و

المزيد


الدعوة إلى ثقافة التنمية

يونيو 26th, 2009 كتبها محمد الحنفي نشر في , القضية الثقافية

 

الدعوة إلى ثقافة التنمية
 
 
 
التجاني بولعوالي*
 
 
سوف أقتصر في هذه الورقة على مفهوم التنمية في ارتباطها بالواقع المحلي، ثم كيفية زرع ثقافة التنمية بين مختلف شرائح المجتمع، التي باكتسابها للوعي اللازم بهذا المفهوم ذي البعد الاستراتيجي، سوف تساهم لا محالة من موقعها في وضع لبنة ما في صرح التنمية، التي صارت الأمم المعاصرة تراهن عليها، وترى في تحقيقها أهم ضامن لاستمرارها وصمودها وتأثيرها.
تجمع الكثير من الدراسات التي تناولت قضية التنمية، على أنه بتحقيق هذا المطمح، يتم القضاء ولو النسبي على الفقر، وسد الفجوة سواء بين الدول الغنية والدول النامية، أم بين الأغنياء والفقراء على الصعيد الوطني والعالمي، والتحرر من إسار التبعية، ونحو ذلك. وهذه المقاصد كلها، على اختلاف أصنافها، يمكن إدراجها في مقصد جامع، وهو أن التنمية تسعى إلى تحرير المجتمع من آفة التهميش، والتهميش مفهوم موسع، يشمل الإقصاء والفقر والاستعباد والتخلف والتبعية وانتهاك حقوق الإنسان، وما إلى ذلك، لذلك يمكن اعتباره يتضاد ومفهوم التنمية، فما المقصود بهذين المصطلحين المحوريين في حركة كل مجتمع سواء نحو خيار التخلف، أم إلى خيار التقدم؟
مفهوم التنمية
إن الاقتصاديين يكثرون من استعمال عبارة التنمية، التي يقصدون بها رفع مستوى الدخل القومي بزيادة متوسط إنتاج الفرد، لكن هذه العبارة لم تبق محصورة في المجال الاقتصادي، بقدر ما نزحت نحو أغلب حقول العلوم والمعارف الإنسانية، فيطلق على أية طريقة تستهدف تحسين وضعية ما أو تطويرها، من حالة الرداءة إلى حال الجودة والعطاء تنمية، التي يعبر عنها في المعاجم اللغوية بتكثير الشيء وزيادته؛ فتنمية النار في إشباع وقودها، وتنمية التجارة في رفع أرباحها ورأسمالها، وتنمية الجوار في تطوير العلاقات فيما بين الدول المجاورة، وهكذا دواليك.
وقد تناول د. إبراهيم العيسوي قضية التنمية في كتابه (التنمية في عالم متغير)، حيث تعرض إلى التطور التاريخي لهذا المصطلح، يقول: "إذا تتبعنا تطور مفاهيم التخلف والتنمية، فسوف نجد أنها قد مالت في أول الأمر إلى التركيز على جانب النمو الاقتصادي وما يتحقق فيه من إنجاز. فقد كان التعريف الشائع للبلدان النامية منذ أواخر الأربعينات حتى أواخر الستينات أنها البلدان التي ينخفض فيها مستوى الدخل الفردي كثيرا بالقياس إلى مستواه المتحقق في البلدان المتقدمة. وعرفت التنمية بأنها الزيادة السريعة والمستمرة في مستوى الدخل الفردي عبر الزمن". ص 13 إلا أنه سوف يكتشف بأن هذا المفهوم الذي يختزل التنمية في مجرد النمو الاقتصادي السريع، ضيق وغير صائب، لأن ثمة بلدانا نامية عديدة، كما يستخلص الباحث، حققت معدلات نمو للدخل القومي قريبة من المعدل الذي حدده خبراء التنمية، غير أنها بقيت مستويات المعيشة بها متردية، وظلت الكثير من قطاعاتها تتخبط في الفقر والجهل والمرض والتخلف، ص 14 على هذا الأساس، فإن مفهوم التنمية سوف يحافظ على البعد الاقتصادي، وفي الوقت ذاته يضيف إليه أبعادا متعددة، وهكذا فإن خبرة الخمسينات والستينات سوف تساعد "على صقل المفهوم الأوسع للتنمية، بتحجيم دور العنصر الاقتصادي في مفهوم التنمية (أي النمو الاقتصادي)، وبإبراز دور الجوانب المؤسسية والهيكلية والثقافية والسياسية". ص 17
مفهوم التهميش
يعنى بكلمة التهميش الترك أو التقليل من قيمة الشيء، فقد اكتسبت دلالات متنوعة؛ إذ تعني هيمنة الدولة واستعباد الرعية عن طريق الاستحواذ عن ممتلكاتها، مادية كانت كالأرض والبدن وسائر المنتوجات وغير ذلك، أم معنوية كالرأي والفكر ونحو ذلك، فهي تقلل بذلك من قيمة الرعية! أو تشير إلى إقرار نفوذ مجموعة من المستحوذين وإقصاء الآخر من بنية المجتمع المدني، أو تدل على العمل على حضور نمط معين من الفكر أو التراث أو الإبداع أو التقاليد، وتغييب وترك أنماط أخرى وغيرها من الدلالات. وهذه الدلالات التي يوحي بها مصطلح التهميش، تتضاد ومعنى مصطلح التنمية، مما يجعلنا ننصب هذين المصطلحين (التهميش # التنمية) على طرفي نقيض، إذ أينما ساد التهميش، كانت التنمية غائبة أو مغيبة، وكلما انتهج أسلوب التنمية، تبددت آثار التهميش.
من هذا المنطلق، فإن مصطلح التهميش ينتصب ندا لند مع مصطلح التنمية، عوض مصطلحات الفقر أو التخلف أو الركود أو الاستعباد، أو نحو ذلك، فالتهميش يستوعب معاني تلك المصطلحات كلها، وهو لا يقع من تلقاء ذاته، وإنما تسببه عوامل خارجية شتى، قد تكون ذات طابع سياسي أو اقتصادي أو تنظيمي، في حين أن الفقر آفة داخلية وذاتية ترتبط بالفرد قبل المجتمع، والتخلف نتيجة مشتركة لتقاعس الجميع، والركود يتولد عن الأزمة التي تعتري قطاعات الاقتصاد، من صناعة وتجارة وخدمات وفلاحة وملاحة، وغير ذلك، والاستعباد ممارسة غير ديمقراطية من قبل حاكم أو جهاز مستبد، وهذه التجليات وغيرها، يمكن أن تندرج كلها في دائرة التهميش الموسع، الذي عادة ما ينبعث من مصدر موحد، وهو السلطة أو المخزن أو كل ما هو فوقي، ليعتري بنتائجه الوخيمة شرائح أو مجالات متعددة.
من التهميش إلى التنمية
هكذا فإن التنمية بمفهومها المتطور تعتبر بديلا لآفة التهميش التي تأتي بويلاتها على الأخضر واليابس، ومن بين أهم تجليات هذا التهميش نجد، كما سبقت الإشارة، التخلف الذي أصبح حسب الباحثين ج. جازيس وج. دومينجو، "منذ ربع قرن تقريبا، حقيقة يومية، صارمة، ومتسلطة ومهيمنة، وكأنها التعبير الشائع عن سوء الأحوال العامة"، (ينظر كتابهما: دراسات في جغرافية التنمية، ص 20). وعندما نتأمل بنية مجتمعنا الريفي المحلي، ندرك أن هذه الحقيقة حاضرة فيه بقوة وكثافة؛ فالواقع الذي ننتظم فيه، بصراحة مرة وتامة، واقع يمكن نعته بالتخلف، الذي لا يقتصر على الحيثيات الخارجية الملموسة والمرئية للمدن والقرى، من بنى تحتية ومرافق عمومية وغير ذلك، وإنما يتجاوز ذلك إلى ما هو إداري وتنظيمي، حيث ترين مظاهر التخلف على مختلف أنواع الإدارات والمصالح والمؤسسات، سواء أكانت صحية أم تعليمية أم ثقافية أم سياسية أم إدارية، بل والأفظع من ذلك كله، أن التخلف يمتد بظلاله إلى جانب حساس في مجتمعنا المحلي، وهو الإنسان نفسه، الذي يتخبط في مستنقع الجهل والأمية والأنانية والتقوقع
ونعني في هذا الشأن الإنسان بمفهومه العام المجرد، أما على الصعيد الواقعي والميداني، فيمكن أن نقسم المجتمع إلى أصناف من الناس، من أمي، ومتعلم مبتدئ، ومتعلم عادي، وحامل شهادة، ومثقف، وغير ذلك، ونستطيع أن نستخلص من هذه الأصناف كلها، فئة متقدمة تفكيرا وسلوكا ومشاركة، قد يحضر فيها الأمي، ويغيب من

المزيد


جميل السلحوت :

يونيو 26th, 2009 كتبها محمد الحنفي نشر في , القضية الثقافية

 

جميل السلحوت :
 
 
 
مدينة الصمت والتميز في الابداع
 
 
 
 

 

 
(مدينة الصمت) مجموعة قصصية للأديبة (سما حسن)صدرت اواخر العام 2008 عن منشورات اوغاريت في رام الله، وتقع المجموعة التي اشرف على اخراجها فنيا (مرايا للدعاية والاعلان) في 132 صفحة من الحجم المتوسط وتحتوي على 28 قصة قصيرة .
بعد أن قرأت المجموعة وبعد أن كتبت عنها لجأت الى البحث في(جوجل) عن سما حسن فوجدت انه اسم مستعار لأديبة فلسطينية من غزة، ولدت في أسرة غنية وعريقة، وزوّجها والداها لزوج اعتبراه مناسبا، لكنه لم يكن كذلك، تطلقت وعادت الى زوجها، لأنها وجدت نار الزوج بحضانة اطفالها خيرا لها من جحيم أسرتها،وعندما قرأت أن بداياتها كانت على صفحات (صوت النساء) تذكرت أنني كنت أقرأ على صفحاتها مواضيع موقعة باسم(سما) فقط .
تكتب أديبتنا باسم مستعار لأنه غير مسموح لها بالكتابة أصلا من قبل ذويها. . وهذه المقدمة السريعة في اعتقادي ضرورية، لإيماني بعد قراءة المجموعة، وقبل معرفتي بالمعلومات السابقة بأن الإبداع قد يولد من الحرمان .
وانا هنا أصدقكم القول بأنني شرعت في قراءة هذه المجموعة القصصية من باب الاطلاع على ابداع لمؤلفة لم اقرأ لها شيئا من قبل، ولا أعلم عنها أو عن قدراتها شيئا، وما ان قرأت القصة الأولى حتى وجدت نفسي امام قاصة متمكنة من الفن القصصي بشكل لافت من حيث الشكل ومن حيث المضمون، مما أرغمني على مواصلة القراءة حتى أتيت على المجموعة من الغلاف الأول حتى الغلاف الأخير، ثم عاودت القراءة في اليوم التالي قراءة فاحصة ومتمعنة لبعض القصص التي وضعت عليها اشارات معينة، وقراءات متصفحة لأخرى من باب التذكر.
وكانت مفاجأة مفرحة بالنسبة لي أنني وجدت نفسي امام مبدعة ترسم بالكلمات واقعا تعيشه المرأة الفلسطينية في مجتمعنا الذكوري، وتشاركها فيه النساء العربيات. اللواتي يعشن نفس الظروف ونفس البيئة، بشكل متفاوت سلبا وايجابا حسب التفاوت في الظروف والبيئة التي يعيشها كل قطر عربي.
وكاتبتنا التي تمتلك لغة أدبية جميلة، كانت تسرد قصصها بانسيابية وعفوية يطغى عليها عنصر التشويق رغم المرارة المترسخة في ثنايا المضمون، والتي يبدو انها أخاديد محفورة في وجدان وعقل وعاطفة الكاتبة، التي التقطت مضامين قصصها من واقع مرير، ومجتمع لا يرحم، وان كانت المرأة فيه دائما هي الضحية.
ومما يلفت الانتباه ان الغالبية العظمى في قصص هذه المجموعة لا اسم لشخوص بطلاتها وأبطالها، فالشخص السارد جاء بضمير الأنا أو ضمير الغائب والغائبة، وهذا لم يأت بالتأكيد عفو الخاطر بمقدار ما أتى كصرخة من الكاتبة تقول فيها هذا هو مجتمعكم، وهذا هو واقعكم، وهي لا تتدخل ولا تقحم نفسها في القص، بل تترك شخوص هذه القصص تتحرك وتسرد واقعها دون ان تطرح حلولا لذلك، مع التأكيد انه ليس مطلوبا منها طرح الحلول، وانما هي(تدق جدران الخزان) على رأي الراحل الباقي غسان كنفاني .
واللافت في هذه القصص أنها تتميز تميزا لافتا في نهاياتها، وفي تقديري أن أيّ قارئ مهما كانت ثقافته واطلاعه، لا يمكن ان يتنبأ بنهاية القصة كما هو معتاد في غالبية القصص والروايات العربية، غير أن نهايات قصص سما حسن تأتي مفاجئ

المزيد


طهران والثقافة العربية

يونيو 23rd, 2009 كتبها محمد الحنفي نشر في , القضية الثقافية

 

طهران والثقافة العربية

الياس خوري
 
الأزمة السياسية التي تعصف بإيران، ليست حدثا عابرا في الجمهورية الاسلامية. وهيايضا ليست مؤامرة امبريالية، بالطريقة التبسيطية الساذجة، التي تلجأ اليها الأنظمةالقمعية من اجل تبرير ممارساتها. انها اولا ازمة سياسية - ثقافية كبرى، ترتبطبفلسفة الدولة الاسلامية التي بنتها الثورة الخمينية. وهي تختزن خلافات فقهية عميقةبدأت مع عزل منتظري كنائب للمرشد واحلال خامنئي في مكانه، قبل وفاة الخميني. وكانهذا العزل ايذانا بانقسام حاد حول مفهوم ولاية الفقيه، وهو مفهوم فقهي صاغهالخميني، جاعلا منه اساس بناء السلطة الجديدة.
لم تأتِ الثورة الايرانية من لامكان، فهي وريثة الحركة الوطنية بزعامة مصدّق من جهة، وهي ابنة تيار فكري طوره عليشريعتي من جهة ثانية، الى ان وصلت الى صيغتها الراهنة.
صيغة الدولة ليست عقيدةدينية، مثلما برهن علي عبدالرازق في مطالع القرن الماضي، في كتابه: ‘الاسلام واصولالحكم’، بل هي عقد اجتماعي اولا، وهي بهذا المعنى عرضة للتبدلات.
ما يجري فيايران اليوم، ودور الطبقة الوسطى في الشارع تأييدا لمير حسين موسوي، يستدعي التفكيروالتأمل. وهو تأمل سياسي وفكري، يتعدى ايران نفسها، كي ينشر اسئلته على مساحةالمنطقة.
غير ان ما يحيّر المراقب، هو صمت النخب الاسلامية العربية عن مناقشةالتحولات الايرانية. ربما يعود هذا الكسل، في جزء منه، الى سيادة ثقافة ‘التوك شوالتلفزيونية على المشهد السياسي- الثقافي. وهي ثقافة تتميز بالضحالة والفقر الفكري،نتيجة ارتباطها بمشهدية تبغي الوصول الى النتائج من دون المقدمات. غير ان هذاالتفسير ليس كافيا وحده، بل نستطيع القول ان هناك ما يشبه الكسل العام، والتسليمبثوابت لا يمكن المس بها. وهذا ما عبّر عنه الأمين العام لحزب الله الذي اعتبرولاية الفقيه جزءا من العقيدة الدينية.
لا يلام حزب الله، كحزب سياسي على صمته،فالحزب معني بتحالفه الوثيق مع ايران، اكثر من عنايته بأي شيء آخر، لأن هذا التحالفحيوي لوجوده العسكري والمالي، ومن دونه، لم يكن التقدم العسكري الهائ

المزيد


وطن المثقفين وأفيون السياسيين

يونيو 19th, 2009 كتبها محمد الحنفي نشر في , القضية الثقافية

 

وطن المثقفين وأفيون السياسيين
 
 
 
أ.د. سيّار الجميل
 
 
 هذا مقال جديد لي ، يضم مجموعة أفكار وآراء استطاعت أن تتبلور منذ زمن طويل ، نتيجة لما خبرته من معرفة متواضعة ، وما قرأته من آراء موسّعة ، وما استتبع ذلك من نقاشات في حياتي بمضامينها المتنوعة .. إن مسألة دور المثقف اليوم صعبة جدا ، واقصد المثقف الحقيقي لا نقيضه الذي يسيطر اليوم على سلطة صناعة الرأي ، ويمتهن الشاشة له ، وينشر ما يشاء له أن ينشر بحكم استهلاكية الأدوات الإعلامية للتكنولوجيا الحديثة .. ويصر الناس اليوم في منظومتنا الفكرية والجغرافية على امتداد الشرق الأوسط أن تسأل سؤالاً جوهريا وحقيقيا : أين هو المثقف؟ ومن ثّم تتبعه باسئلة اخرى عن دوره اليوم في دوامة الحياة الصعبة .
مافيات الاستحواذ
دعوني أقول بأن مثل هذا السؤال كان المفكر ريجيس دوبريه قد أجاب عليه منذ زمن ليس بالقصير ، معلنا نهايته في عمل حمل عنوان " المثقف الفرنسي: تتمة ونهاية" ، وطالب برنار بيفو، صاحب احد أهم البرامج التلفزيونية الثقافية في العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين ، بتشكيل هيئة خبراء تقوم بـ تعيين النقاد ورؤساء تحرير المجلات والملاحق الأدبية وأعضاء لجان المحلفين المعنية وأساتذة الكوليج دو فرانس.. الخ  من اجل استعادة التوازنات ، وارتفعت أصوات عديدة تطالب بـ إنقاذ الثقافة والإبداع من براثن الأدعياء الذين ينبتون الأدغال التي تقضي على كل النباتات الرائعة والزهور اليانعة ، وحيث أصبح من الصعب جداً على المثقف والمبدع أن يعيش من إنتاجه الرائع ، كما كان ذلك أيام الزمن الإبداعي الجميل ، ويعترف البعض بأن الوسط الثقافي و الإعلامي والفني .. أصبح مصابا بالتلوث مثل بقية الأوساط الأخرى ، يخضع للمصالح والاتجاهات والقوى وسط شبكات من أصحاب الأموال والمافيات والعصابات .. أما في العراق ، فان اهتراءات الحياة السياسية التي عاشها العراق منذ أربعة عقود من السنين ، قد همشّت المبدعين الحقيقيين ، واشترت ضمائر كّتاب آخرين .. وأقصت العلماء والأدباء والفنانين الرائعين .  
أني أتهم !
دعوني أحدثكم عن فرنسا وكيف أصبحت وطن المثقفين بلا منازع ، وذلك بتحليل العودة إلى " حدث كبير يشكّل منعطفا اكبر "  عرفته حياتها الثقافية بكل تجلياتها ، ممثلا بقضية الضابط دريفوس الذي كان قد تم اتهامه علنا بالخيانة ، فقالوا بتعامله مع العدو ، مما أدى إلى تجريده من مكانته العليا ، ومن رتبه العسكرية ومحاكمته وإصدار حكم بإعدامه .. لكن تبيّن ان  دريفوس كان بريئا كما ثبت فيما بعد ، وبعد أن أعيد النظر بقضيته ، اثر اطلاق الكاتب الفرنسي الكبير أميل زولا  صرخته الشهيرة على صفحات صحيفة (الفجر) عبر رسالة مفتوحة موجهة لرئيس الجمهورية تحت عنوان "اني اتهم". ومنذئذ أصبحت فرنسا بمثابة " وطن المثقفين " ! وأي مثقفين ؟ انهم من النوع الثقيل الذين عرف المجتمع قيمتهم .. فما نفعهم ان لم يعرف المجتمع قيمتهم ؟  إن العراق اليوم قد ابتلي ببقايا وترسبات السفهاء والمتعصبين والمجانين وهم يعيشون في داخله أو خارجه .. نتيجة ابتذال الثقافة والمثقفين على امتداد خمسين سنة ، منهم حاقدون لاسباب سياسية كونهم لم يتمتعوا بحقوق وطنية ، ومنهم مأجورون لأطراف عديدة ، اذ يتبرعون لها حتى وان عاشوا على فتاتها ، ومنهم خاسرون للسلطة والنفوذ والجاه ، فهم يأكلون أنفسهم بأنفسهم .. وليس لهم كما تعودوا منذ صغرهم ، أو كما تربوا في مزابلهم على اتهام الآخرين من العراقيين الأبرياء تهما ظالمة ! هم يدركون تمام الإدراك إنهم يظلمون ، يجاهرون بتشويه سمعة خصومهم ليس السياسيين ، بل حتى المثقفين

المزيد


دموع التماسيح

يونيو 19th, 2009 كتبها محمد الحنفي نشر في , القضية الثقافية

 

دموع التماسيح
 
بقلم سحر حمزة 
 
 
لا يمكن لأي إنسان أن يصمد أويصبر كما الغزوايين ،ليس لأنهم عانوا من دمار السلاح الإسرائيلي الذي قصد تحطيموسائل الحياة والعيش الكريم في جنبات غزة الباسلة ،ولا من الحصار الدامي وقلةالإمكانيات ،ولا من الفقر والمشاكل الداخلية ،لكن للصمت الذي يعني الكثير الذييجتاح القلوب المرهفة مثل أفئدة الطير ،،وهم بذلك أقصد الغزاويون الأبطال يؤكدللمجتمع الدولي كظم الغيظ من هؤلاء الجبابرة الجبناء الذين يذرفون الدمع على غزةوما آلت إليه من دمار في المباني والمنشآت والبنية التحتية ،وما يبررونه من ذرائعحول ذلك ،،الجميع يعلم أنهم زوار غير مرغوب بهم وتحت المظلة الدولية يسرحون ويمرحونليس لدعم غزة وأهلها بل من أجل بث الصورة للصهاينة وللتجسس على اوضاع الرابضين تحتالحصار ،فقوة غزة في الصمود ،وبقاءها معتدة دلالة على شهامة أهلها ،،لهذا أحرص كليوم على متابعات أخباركم يا من تقبضون على الجمر بوجوه مبتسمة غير واجمة يا منيعتقد عدوكم أنكم ضعفاء أمام التعنت الإسرائيلي ،،لا والله أنها قوة الصمود قوةالبأس قوة الثبات والإيمان فما أروع أن نرى شموعاً تدمع كي تنير طرقات الكثيرين،،وكما نرى دموع التماسيح كتلك التي ذرفها عدو مساند لعدونا وعدو ساهم في إيصالالقضية الفلسطينية إلى ما آلت إليه،،من الوصول لعنق الزجاجة كي تنفجر وتتحول إلىحرب ضارية  ،،يريد عدونا نستسلم و أن نعترف بإسرائيل وأن نحيا معها بسلام،محال ،أيسلام يا أخوان ،،ألستم معي ، بأنهم دعاة سلام فهم أهل الدمار وأهل الأرهاب ،،تابعواالأخبار ما ظهر منها وما بطن ،،نرى  في العالم  أمثلة كثيرة فهم يقصدون كل قوةللعرب والمسلمين ,,والضعفاء منهم من  إنحنى لهم ،،أما نحن فلا ننحني إلا لله في خمسصلوات وفي كل لحظة نطلب فيها الثبات على الإيمان بعدالة القضية ا

المزيد


محاولة تفسيرية معرفية

يونيو 19th, 2009 كتبها محمد الحنفي نشر في , القضية الثقافية

 

محاولة تفسيرية معرفية
مدخل الى الأنسنية
 
ترجمة أحمد جميل حمودي
 
كثيرا ما كانت تثار لدي تساؤلات مرتبطة بالأنسنية، من هذه الأسئلة ما هو معرفي يتطلب مزيدا من البحث في حفريات التاريخ، إن صح التعبير، والآخر جدلي قد تأخذ الإجابة عنه بنا طرائق قددا. من هذه الأسئلة:
 هل الأنسنية أيديولوجيا أو دين جديد أو بديل عن الأديان السماوية كما يبشر به البعض؟ وإذا كانت الإجابة عنه بالإيجاب فيعني ذلك إشكاليات معرفية وامبيريقية، حيث نجد أنفسنا أمام لغة مشابهة للأيديولوجيات، التي تبحث عن إجابات شافية مطلقة.
 إذا كان جوهر الأنسنية يعني، بأن الإنسان أعلى قيمة في الوجود، فما الذي يفارق به نفسه عن باقي الفلسفات الحديثة التي تنحو في نفس الاتجاه؟
 هل البحث عن أرضيات أنسنية في التراث الإسلامي، والمتمثلة خاصة بابن مسكويه، وأبي حيان التوحيدي، والحلاج وابن عربي…، يعد محاولة لتخليص الإسلام من لوثات العنف وكره الآخر، ما يعني أنسنة الإسلام؟ وهل يحتاج الاسلام إلى هذه المحاولة التنقيبية؟ أم أن الأجدى خيار القطيعة المعرفية مع هذا التراث، دون الدخول في تبريرات ذاتية لا منهجية ؟
 ويتبعه سؤال مرتبط بما قبله، هل حركات التأسيس التنويرية للأنسنة من قبل بعض المثقفين العرب،محمد أركون،ادوارد سعيد، محمود درويش، أدونيس…، كانت محاولات توفيقية؟ وهل نحن بحاجة إلى تناول هذه المحاولات بالنقد والبناء عليها أو قد يكون غير ذلك؟
 وهل دعوى حازم خيري إلى تنشئة تيار أنسني عربي يمنح الإنسان قيمة مركزية في النظام القيمي والأخلاقي في المجتمعات العربية وإشاعة الأنسنة وفكرة حقوق الإنسان، هي بمثابة إنقاذ ما يمكن إنقاذه، من خلال التبشير بهذه النزعة؟ وإذا كان ذلك ضرورة فما هي الشروط الزمكانية (الظروف الزمانية والمكانية التي يجب أن تتوفر لإمكانية التطبيق)للتبشير بهذا الدين الجديد؟
إنني أقدم هذه الترجمة كمحاولة تفسيرية معرفية لتيار الأنسنية، وإشكالية الطرح انه طرح توصيفي، لا يتناول هذه النزعة بالنقد والتحليل الموضوعيين، فضلا عن تجاهله لنزعة الأنسنية في الثقافات العالمية، والذي قد يعني أن هناك نرجسية غربية تنحاز إلى العنصر اليوناني الإغريقي الذي لم يكن قبله تاريخ أو حضارة!
وقد قدم إليّ بعض الأخوة في فريق الترجمة نقدا، وأنا أعدّ ترجمة هذا المقال، ما نصه أن :
" أركون عندما يتحدث عن الأنسنية فإنه يقصد بها الانفتاح على الثقافات الأخرى، على الآخر، على علومه ومعارفه، كما كان الحال عليه مع التوحيدي وابن مسكويه، ولكنه لا يقصد مساواة الأنسنية بالإلحاد أو اللاأدرية Agnosticism كما هو عليه الحال عند الحركات الأنسنية في الغرب، وكما فهمت من المقال المترجم، في بدايته .نفس الأمر عند حازم خيري، مثلا، لا أعتقد أنه يفهم الأنسنية بهذه الطريقة، فهو يتحدث عن تثمين جوهر الأديان".
وأرى أن تساؤلاتي لم تقدّم أيّ انحياز معرفي معين، إنما هي أسئلة مفتوحة للتأمل. أما محمد أركون، فاني ألمحت إلى ما يمكن أن يوجه إليه من نقد لمحاولته عصْر التراث، إن صح التعبير، واستخراج الفكر الأنسني منه ما أمكن ذلك، أي إن أنسنته مؤسسة على التراث، أما المقال المترجم فانه يؤكد أن اللاادرية والإلحاد ليست كالأنسنة، لكنه أشار إلى نقطة الالتقاء بينهما، من حيث أن التأسيس المعرفي لديهما لا يقوم على أساس الفكر الماورائي. أما حازم خيري فانا لا أقول بأن دعوته للأنسنة مضادة للأديان، وإنما عبّرتُ بالدين الجديد من ناحية المجاز، على أساس أن عملية التبشير أحد مكونات الدين التقليدي، رغم أني أعتقد أن خيار تثمين جوهر الأديان هو خيار قسري تفرضه الظروف المجتمعية، ففي بلد فيه الأزهر ونظام الحسبة، ليس هناك مساحة من الحرية للدخول في معركة مع المؤسسات الدينية، التي حلت محل الله. بالنهاية هي مجرد أفكار محتملة الخطأ أو الصواب.
****
الأنسنية Humanism هي جملة واسعة من الفلسفات الأخلاقية التي تؤكد على كرامة وقيمة كل الناس، على أساس القدرة على تحديد الصواب والخطأ عن طريق مناشدة الصفات الإنسانية العالمية، ولا سيما العقلانية، ودون اللجوء إلى قوة خارقة للطبيعة أو اله مزعوم مستمد من سلطة النصوص الدينية. وهي مكونة من مجموعة متنوعة من النظم الفلسفية الأكثر تحديدا. الأنسنية يمكن أن تعتبر " العملية التي يتم من خلالها معرفة الحقيقة والأخلاق من خلال تحقيق الإنسانية" ؛ على هذا النحو، وجهات النظر حول الأخلاق يمكن أن تتغير عند اكتشاف المعارف والمعلومات الجديدة.
في التركيز على فكرة القدرة على تقرير المصير، الأنسنية ترفض المبررات المتجاوزة الحدود، مثل الاعتماد على الإيمان، القوى الخارقة، أو مصادر النصوص الإلهية المزعومة.الأنسنيون يتفقون على الأخلاق العالمية المشتركة القائمة على أساس حالة الإنسان، مما يوحي بأن حلّ المشاكل الاجتماعية والثقافية لا يمكن أن تحدد.
ملامح الأنسنية الحديثة :
الدين :
ترفض الأنسنية الإذعان لمعتقدات خارقة في الشؤون الإنسانية.
الأنسنية كان لها تأثير على بعض الأديان التي تبنت في الآونة الأخيرة موقفا متصل بشكل محكم بالمعتقدات الأنسنية الأصيلة. الأنسنية عموما متوافقة مع الإلحاد Atheism، واللاأدرية Agnosticism (من يعتقدون بان وجود الله وطبيعته واصل الكون امور لا سبيل الى معرفتها- المترجم)، ولكن حالة الملحد أو اللاأدري ليست كالأنسني. على الرغم أن عبارة اللاادري "Ignostic" (الأمريكية) أو اللاادري "Indifferentist" (البريطانية) في بعض الأحيان تنطبق على الأنسنية، على أساس أن الأنسنية عملية أخلاقية، وليست عقيدة/دوغما Dogma تجادل حول وجود الله، والعديد من الأنسنيين،بشكل عميق، يشعرون بالقلق إزاء تأثير الدين والاعتقاد بوجود الله على المجتمع والحريات الخاصة بهم.
اللاأدرية أو الإلحاد بحدّ ذاتهما لا يستتبعان بالضرورة الأنسنية ؛ ومن هنا يمكن القول بأنه تتعارض الفلسفات الإلحادية لتفسير ما يحدث في الطبيعة، ليس هناك أيديولوجية واحدة أو مجموعة من السلوكيات تلزم جميع الملحدين، وليس كلها أنسنية.
وترى الأنسنية، التي تشمل تيارات ثقافية من خلال مجموعة واسعة من الفكر الفلسفي،أنها قادرة على الوفاء أو الحلول محل الأديان، وعلى وجه الخصوص، أن تشمل فلسفة الحياة Life Stance بشكل كامل.
في عدد من البلدان، القانون يعطي الحق في "الأديان"، وفلسفة الحياة العلمانية أصبحت قانونا معترفا به كمعادل ل"الدين". ففي الولايات المتحدة،اعترفت المحكمة العليا أن الأنسنية تعادل الدين بالمعنى المحدود.
المعرفة:
وفقا للأنسنية، الأمر متروك للبشر من اجل التوصل إلى الحقيقة، بدلا من البحث عن طريق الوحي Revelation، والتصوف Mysticism (نظرية تؤكد أن بإمكان الإنسان نيل المعرفة عن طريق الإيمان أو التبصر الروحي- المترجم)، والتقاليد، أو أي شيء آخر لا يتفق مع تطبيق منطق ملاحظة الأدلة. وتطالب الأنسنية البشر, تجنب قبول المعتقدات غير المدعومة , وتدعم الشكوكية العلمية Skepticism (مذهب فلسفي يقول بأن المعرفة الحقيقية، أو المعرفة في حقل معين، هي غير محققة أو مؤكدة-المترجم) والمنهج العلمي، ورفض التسلطية Authoritarianism والشكوكية المتطرفة، واستدعاء الإيمان غير مقبول كأساس للفعل. وبالمثل، تؤكد الأنسنية أن معرفة الحق والباطل يستند إلى فهم أفضل للمصالح الفردية والمشتركة، لا أن يكون نابعا من واقع ماورائي Transcendental، أو مصدر محلي استبدادي.
التفاؤلية:
السمات الإنسانية كاتجاه التفاؤلية Optimism( الإيمان بأن هذا العالم خير العوالم الممكنة،وان الخير سوف ينتصر، آخر الأمر،على الشر- المترجم) لا تنطوي على الاعتقاد بأن الطبيعة البشرية هي مجرد سلعة أو كل شخص يمكن أن يرقى إلى مستوى الأنسنية المثالية Ideals دون مساعدة. ربما كان هناك إدراك أن رقي هذا المستوى المثالي ممكن بالعمل الشاق لكنه يتطلب مساعدة الآخرين. والهدف النهائي هو ازدهار البشرية Human Flourishing؛ وجعل الحياة أفضل لجميع البشر، وأكثر وعيا، وكذلك تعزيز الاهتمام لرعاية الكائنات الحية على هذا الكوكب. والتركيز على فعل الخير والعيش بشكل جيد، وترك العالم مكانا أفضل لأولئك الذين يأتون بعد.
التاريخ:
الأنسنية المعاصرة، يمكن إرجاعها خلال عصر النهضة Renaissance إلى الجذور اليونانية القديمة Ancient Greek . مصطلح الأنسنية صكّ في 1808،وأساسه القرن الخامس عشر كمصطلح ايطالي، ويعني " طلاب شؤون الإنسان أو الطبيعة البشرية"، كما صاغه لودوفيكو Ludovico Ariosto. ثم تطور معنى كلمة الأنسنية بشكل كامل كما كشف عنه والتر نيكولاس Nicolas Walter.
الأنسنية اليونانية:
الفلسفة اليونانية في القرن السادس قبل الميلاد، وحدة الوجود لطاليس Thales وميلتوس Miletus و كسينوفانيس Xenophanes مهدت الطريق للفكر الأنسني اليوناني في وقت لاحق. طاليس له الفضل في خلق قاعدة "اعرف نفسك" "Know thyself"، وكسينوفانيس رفض الاعتراف بالآلهة واكتشف مبادئ وحدة الكون.اناكساجوراس Anaxagoras في وقت لاحق، وكثيرا ما وصف ب "المفكر الحر الأول"، ساهم في تطوير العلم كوسيلة لفهم الكون. اليونان الايونيون Ionian Greeks (هم مجموعة من اليونانيين القدماء عاشوا في أجزاء مختلفة من بيلوب

المزيد


الهوية و العولمة

يناير 21st, 2008 كتبها محمد الحنفي نشر في , القضية الثقافية

الهوية و العولمة

محمد الحنفي

 

 

1)   إذا كانت العولمة كما يقول صادق جلال العظم :

"… هي وصول نمط الإنتاج الرأسمالي عند منتصف هذا القرن ( و يقصد القرن العشرين) تقريبا إلى نقطة الانتقال من عالمية دائرة التبادل و التوزيع والسوق والتجارة والتداول إلى عالمية دائرة الإنتاج، و إعادة الإنتاج ذاتها".

و هذا المفهوم يستلزم عولمة التنميط الاجتماعي و الثقافي و السياسي تبعا لعولمة دائرة الإنتاج. و إعادة الإنتاج تلك في إطار سيطرة الرأسمال العالمي الموجه من قبل الشركات العابرة للقارات التي يتناقض وجودها مع الأنماط الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و السياسية التي تجسدها الهويات المحلية، و لذلك :

2)   فإن الهوية هي كل المقومات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و السياسية المجسدة للخصوصية المحلية التي يمكن أن :

أ- تندرج في إطار العولمة بحكم التعبية و القبول بتعليمات المؤسسات المالية الاحتكارية الدولية، كصندوق النقد الدولي، و البنك الدولي، و منظمة التجارة العالمية، التي تملي على البلدان التابعة ما تتبعه في سياستها الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و السياسية.

ب- أو أن تكون جزءا منها بحكم الاندماج الكلي و الذوبان في النظام الرأسمالي العالمي و الارتباط المطلق بمؤسساته، و اعتبار المصير واحدا.

ج- أو تقع فريسة لها، فتحتويها العولمة و تفرض عليها الذوبان فيها رغما عنها.

د- أو تدخل في صراع معها، و تعمل على تنظيم مناهضتها بحكم التناقض الحاصل بينهما.

3)   و تتحدد الهوية في مجموعة من المقومات الأساسية المتجسدة في :

أ- اللغة الوطنية، و اللهجات المحلية المرتبطة بوجود شعب ما، و تطوره، و مصيره على أساس أن تكون اللغة الوطنية معتمدة في التدريس على جميع المستويات، و في التسيير الإداري، و في القضاء، إضافة إلى التواصل بين شرائح المجتمع إلى جانب اللهجات المحلية.

ب- القيم الدينية و الوطنية المتكونة عبر العصور، و التي تكسب الشعب حامل الهوية حصانة تحول دون ذوبانه في شعوب أخرى، و تؤهله لمقاومة كل محاولات التذويب مهما كان مصدرها.

ج- العادات و التقاليد و الأعراف النابعة من تلك القيم و الحاملة لها، و العاكسة لمستوى الشعب حامل الهوية الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و السياسي.

د- التاريخ النضالي الذي ينسجه ذلك الشعب –حامل الهوية- من اجل المحافظة على هويته أرضا و قيما، و عادات و تقاليد و أعرافا.

4)   و الهوية لا تبقى مفصولة عما يجري في العالم، فهي تدخل مباشرة في تفاعل مع ما هو إقليمي و قومي و عالمي، وخاصة في هذا العصر الذي اصبح كل شيء حاضرا معنا و قريبا منا.

و تزداد درجة التفاعل تلك بارتفاع المستوى الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و السياسي للشعب حامل الهوية. و تبعا لذلك فالهوية لا تنجو من التأثر بالعولمة :

أ- على مستوى اللغات و اللهجات التي ستتراجع أمام اللغات الحية المعتبرة في تدريس الآداب و العلوم و الفنون و التقنيات و بقية المعارف الأخرى، ما لم تكن اللغة المعبرة عن الهوية إحدى تلك اللغات الحية، و تحتل إلى جانبها صدارة التطور.

ب- على مستوى القيم الدينية و الوطنية التي ستكون مهددة بقيم وافدة لا تقوى القيم المحلية على الصمود أمامها.

ج- على مستوى العادات و التقاليد و الأعراف التي قد تحل محلها عادات و تقاليد و أعراف وافدة لا علاقة لها بالهوية المحلية.

د- على مستوى التاريخ النضالي للشعب حامل الهوية الذي قد يتعرض للتشويه الممنهج، و بدل أن يبقى مفخرة للشعب يتحول بفعل ذلك إلى مذمة.

5) و بناء على تفاعل الهوية بقيم العولمة فإنه يطرح سؤال عن مصير الهوية أمام تحديات العولمة :

أ- على المستوى اللغوي نجد أن لغات العلوم و التقنيات على المستوى العالمي و الإعلامي ستخلق اهتماما خاصا بها، و ستجد اللغة المحلية نفسها تتدحرج إلى الخلف، معانية من الإهمال على جميع المستويات ما لم تتخذ الإجراءات اللازمة لحمايتها و رفعها إلى مستوى اللغات الأكثر تداولا.

ب- و على مستوى ال

المزيد