مساهمة في تصويب الخطاب الفلسطيني:
كيف إختفى "معسكر الاعداء"؟
(الحلقة الاولى)
مسعد عربيد
كثيرة هي المفارقات التي تستوقفنا في المشهد الفلسطيني. وقد نختلف في تقييم هذه المسألة أو تلك، إلاّ اننا في كل الاحوال لا نختلف على ان هذا المشهد، عبر عقوده الاربعة الاخيرة، إزداد تدهوراً وتعقيداً وإبتعاداً عن اهداف المشروع الوطني الفلسطيني: تحرير الوطن المحتل. ولا ينبع هذا الاستخلاص من منظور سوداوي أو عدمي، بل يستند الى مقاربة موضوعية في تحليل الواقع القائم.
سأتناول في هذه الدراسة بعض الجوانب العامة للخطاب الفلسطيني بالتحليل النقدي، وإن لم أكن بصدد الخوض التفصيلي في كافة أبعاده وحيثياته، وسأحاول شرح قصة تحريف هذا الخطاب في حياة شعبنا ومسيرة نضاله، علّها توفر مدخلاً لمعالجة العديد من القضايا الهامة والملحة في الحالة الفلسطينية. ولا تعدو هذه المحاولة العاجلة كونها مساهمة متواضعة لا تفي بغرض تصويب الخطاب الفلسطيني ومعسكر الاعداء ولا تشكل بديلاً عن القراءة النقدية والشاملة لهذا الخطاب بمجمل شعاراته وطروحاته، والتي تبقى مهمة وضرورية لاستكمال مسيرة الشعب الفلسطيني نحو تحرير وطنه المحتل.
(1)
بعض سمات الحالة الفلسطينية
يستعصي، لدى القراءة النقدية للخطاب والحالة الفلسطينيين، القفز عن بعض السمات المميزة لهما[1]:
1) غياب الفكر السياسي: لم تنتج حركة المقاومة الفلسطينية المعاصرة ("حركة المقاومة") فكراً سياسياً قادراً على الاضطلاع بقضايا وإشكاليات ومهام الحالة الفلسطينية والعربية، بالرغم من زخم الكتابات والتحليلات السياسية والكم الهائل من الصحف والجرائد والمواقع الالكترونية التي ملأت الساحة خلال العقود الاربعة الاخيرة. كما نلحظ ان هذه الكتابات نادراً ما تختلف بحسب المرجعية الفكرية، بل هي تتناقض في أغلب الاحيان بسبب المرجعيات السياسية والارتباطات المصلحية المتباينة، سواء كان ذلك على شكل تبعية للانظمة العربية (مصر، السعودية، العراق، سوريا على سبيل المثال)، أو الاحزاب الحاكمة (حزب البعث العربي الاشتراكي بشقيه مثلاً) أو الدول العظمى (مثل الاتحاد السوفييتي سابقاً).
2) غياب المراجعة النقدية الجدية: لم تقم هذه الحركة على إختلاف فصائلها وقياداتها بمراجعة نقدية جدية وأمينة وشاملة لتجربتها المعاصرة وإخفاقاتها وسبل النهوض بالمشروع الوطني الفلسطيني، بالرغم من كثرة "المحاولات" التي إندرجت تحت عنوان "المراجعة النقدية"، ووفرة الشعارات والاطروحات التي حان الوقت، منذ أمد، لمراجعتها ونقدها وتقويمها. لم تجرِ هذه المراجعة المنشودة بالرغم من جسامة التضحيات التي قدمها شعبنا والمنعطفات الخطيرة التي مرت بها قضيتنا والمخاطر الكبيرة، المحدقة بها والمقبلة عليها، على مستقبلها، ناهيك عن عدالة القضية الفلسطينية وتألق مكانتها الاممية التي أضحت قبلة أنظار شعوب العالم وشرفائه.
3) تشي مسيرة الاخطاء والمآزق التي سقطت فيها التجربة الفلسطينية، بفقدان القدرة على "التعلم" من التجارب والإتعاظ بالاخطاء وإستثمار هذه الدروس من اجل تفادي الوقوع في المزيد منها. على النقيض من ذلك، فقد أظهرت الحركة الوطنية الفلسطينية قدرة هائلة، وعلى نحو مثير للدهشة وللتأمل، على الاصرار في المضي على الدرب نفسه أي إرتكاب الاخطاء، والمزيد منها، وتكرارها وإعادة إنتاجها، دون التوقف للحظة للتقييم وطرح الاسئلة ومراجعة التجربة بامانة.
قد يحملنا المنطق الشكلي على تحميل القيادات الفلسطينية المتنفذة (في فتح و م.ت.ف) وزر المسؤولية الاولى عن هذه الاخطاء: المسؤولة الاولى عن إتخاذ السياسات والخطوات العملية للتراجع عن الاهداف الوطنية وخرق ثوابت النضال الفلسطيني، وتحريف البرامج السياسية تطويعاً لخدمة المصالح والسياسات، وعقد الصفقات والاتفاقيات والمفاوضات مع العدو المحتل. إلا ان هذا لا يعفي الآخرين من المسؤولية التاريخية: لا يعفي اولئك الذين رفضوا الاتفاقيات (اوسلو وملحقاتها ..وغيرها). ورفضوا الولوج مع العدو الصهيوني في دهاليز المفاوضات العبثية، ولا الذين ما زالوا يتشدقون بالخطاب الثوري ومفردات المقاومة، كما انه لا يعفي اولئك الذين وصلوا الى السلطة من بوابة اوسلو رغم رفضهم لها ومن خلال إنتخابات "ديمقراطية" تمت في ظل الاحتلال وما زالوا يتمسكون بزمام سلطة وهمية قامت على ارضية اوسلو وتحت حراب الاحتلال.
يعري هذا كله مظاهر العجز والتناقض والانقسام والفوضى التي تعم الحالة الفلسطينية، إلا انه يجب الا يغيب عنا ما هو وراء هذ الحالة، على مأساويتها، من إصطفاف طبقي ومصلحي لا يفسر هذه التناقضات فحسب، بل يعمل على تعميقها. ولا بد من التنبه ـ رغم اختلاف الاطراف المتشابكة في الحالة الفلسطينية وهول التناقضات بينها ـ الى ان المصالح المادية (بالاساس الطبقية والسياسية والاقتصادية منها كذلك المصالح الفئوية والفصائلية والفردية دون إستثناء) تظل العامل الحاسم والاكثر وزناً والذي يقف وراء هذه التناقضات ووراء التمسك بالسلطة الوهمية في الضفة الغربية وقطاع غزة، كما يقف وراء الفساد المستشري في أجهزة السلطة والمنظمة ومؤسساتهما ويُعذيها.
وتفاديا لخلل التأويل أو إساءة الفهم، نقول بان محاكمة الحالة الفلسطينية بكل تعقيداتها وتعدد ابعادها، يجب ان يتم في سياق وعلى أساس، التناقض الرئيسي مع العدو المحتل. وعليه، فإن ما ينطوي عليه هذا النقد من تعميم يشمل كافة الاطراف ويحاكم كافة الفصائل كجزء من "القيادة السياسية الفلسطينية" ولا يقتصر على قيادة "فتح" لوحدها أو عرفات كفرد أو لوحده. الا انه لا يساوي بين الاطراف التي إنتهجت نهج التسوية واذعنت للاحتلال وأضحت صنيعة له، وتلك التي ما زالت ترفع راية المقاومة، بل يتطلب الموقف وفي كل دقائقه أن يفصل بين مَنْ يقاوم من جهة، ومَنْ حسم صراعه مع الاحتلال على اساس التنازل عن الوطن وحماية "أمن" العدو وإستراضاء العدو الامبريالي الاكبر، من جهة اخرى.
4) تخريب الوعي الجمعي الوطني والقومي: لا تستوي قراءة الحالة الفلسطينية، على ما فيها من تعقيدات ومأساوية، دون الالتفات الجدي الى ما حلّ بالوعي الفلسطيني والعربي من تدمير وتشويه عبر العقود الاربعة الاخيرة.
وليس صحيحاً ان عملية تخريب الوعي (الفردي والجمعي) هذه جاءت نتيجة الاحباط والوهن وتعقيدات الظروف والتطورات في الساحة الفلسطينية وإن كان ليس بمقدور المرء موضوعياً ان ينكر هذه المؤ
المزيد